محمد حسين علي الصغير
47
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
يهدف إلى الفائدة المتوخاة من الكلام ، لأن الكلام « إنما هو مبني على الفائدة في حقيقته ومجازه » « 1 » . لهذا كانت الآراء المتطرفة مرفوضة تطبيقيا ونظريا حينما أنكرت المجاز تارة ، والحقيقة تارة أخرى ، من قبل فريقين من الآراء المسرفة في الأحكام ، لهذا كان ما أورده العلوي ( ت : 749 ه ) يعد بحق قولا فاصلا إذ وفق إلى إيجاد مقارنة سليمة في الموضوع . قال العلوي : « إن من الناس من زعم أن اللغة حقيقة كلها ، وأنكر المجاز ، وزعم أنه غير وارد في القرآن ولا في الكلام . ومنهم من زعم أن اللغة كلها مجاز ، وأن الحقيقة غير محققة فيها ، وهذان المذهبان لا يخلوان من فساد ؛ فإنكار الحقيقة في اللغة إفراط ، وإنكار المجاز تفريط ، فإن المجازات لا يمكن دفعها وإنكارها في اللغة ، فإنك تقول : « رأيت الأسد » وغرضك الرجل الشجاع ، وقوله تعالى : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ « 2 » وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ . . . « 3 » إلى غير ذلك . ولا يمكن إنكار الحقائق كإطلاق الأرض والسماء على موضوعيهما ، وأيضا فإنه إذا تقرر المجاز وجب القضاء بوقوع الحقائق ، لأنه من المحال أن يكون هناك مجاز من غير حقيقة . فإذا بطل هذا القول فالمختار هو الثالث ، وهو أن اللغة والقرآن مشتملان على الحقائق والمجازات جميعا ، فما كان من الألفاظ مفيدا لما وضع له في الأصل فهو المراد بالحقيقة ، وما أفاد غير ما وضع له في أصل وضعه فهو المجاز » « 4 » . والحق أن ما قرره العلوي هو المختار ، وهو ما نأنس به ونميل إليه ، فليست اللغة كلها حقيقة ، وليست كلها مجازا ، بل هي خليط من هذا وذاك ، ومع هذا تبقى الحقيقة وهي « اللفظ الدال على موضوعه الأصلي » « 5 » هي الأصل المشرع في الاستعمال ، ويظل المجاز فرعا عن ذلك الأصل ،
--> ( 1 ) الآمدي ، الموازنة بين الطائيين : 179 . ( 2 ) يوسف : 82 . ( 3 ) الإسراء : 24 . ( 4 ) العلوي ، الطراز : 1 / 44 . ( 5 ) ابن الأثير ، المثل السائر : 1 / 58 .